الشيخ محمد رشيد رضا
369
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المنار ولا حجة في شيء منها لهؤلاء الدجالين الذين يأكلون أموال جهلة العوام بالباطل ، بولايتهم للشياطين وولاية الشياطين لهم ، وقد خوفوا الناس منهم حتى أوقعوا الرعب في قلوبهم ، وأوقعوهم في ضلالات كثيرة ان مفاسد ( الزار ) كثيرة مشهورة في هذه البلاد ، وقد وصفناها من قبل في المنار . وسببها اعتقاد الكثيرات من النساء المريضات بأمراض عادية ولا سيما إذا كانت عصبية أن الشياطين قد دخلت في أجسادهن . وأن صانعات الزار يخرجنهم منها بارضائهم والتب إليهم بالابين وغيرها . وهذا نوع من عبادة الجن التي كانت في الجاهلية فأزالها الاسلام باصلاحه ، ولما جهل الاسلام في كثير من البلاد وقبائل البدو عادت إلى أهلها . وقد كان من حسنات تأثير الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد للاسلام في نجد ابطال عبادة الجن وغير الجن منها ، ولم يبق فيها الا أهل تجريد التوحيد واخلاص العبادة للّه ، ولكن علماء الأزهر هنا لا يعنون أقل عناية بمقاومة هذه البدع والخرافات وأمثالها ولا المعاصي الفاشية في هذه البلاد . ونحن نذكر من ذلك واقعة وقفنا عليها من امرأة كانت تأتينا باللبن كل صباح من ريف الجيزة . وهي أن ولدها غرق في النيل فسألت عنه بعض الدجالين فأخبرها بأن أحد الأسياد ( أي عفاريت الجن ) أنقذه ووضعه عنده فهو يعيش في ضيق وشظف ، وانه هو يمكنه أن يوصل اليه ما تجود به والدته عليه ، فكانت تعطيه ما تقدر عليه من الطعام والدجاج والحمام المقلي مع شيء من الدراهم اجرة لنقله ، وتعتقدان ذلك كله يصل إلى ولدها عند العفريت الذي أخذه ، ويكون سببا لحسن معاملته له ، وربما يطلقه بعد ، وما زال أهل بيتنا ينصحن لها بترك ذلك الدجال المفتري المحتال حتى أقنعنها بكذبه بعد ان خسرت كل ما كانت تربحه من بيع اللبن في سبيله . فان قيل إن الأناجيل أثبتت ان الشياطين تدخل في أجساد الناس وتصرعهم ، وان المسيح عليه السّلام كان يخرج هذه الشياطين باذن اللّه تعالى منهم ، وفي الآن المجيد ما يشير إلى ذلك في قوله تعالى ( كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ) وان قالوا إنه تمثيل حكي به ما كان مألوفا عند العرب ، وقد حكي عن بعض العلماء المحققين دون الخرافيين وقائع فيه كوقائع الإنجيل ، ومن ذلك ما حكاه العلامة ابن القيم عن أستاذه شيخ الاسلام ابن تيمية ، فهل تنكر كل ذلك أم ما ذا تقول فيه ؟ « تفسير الآن الحكيم » « 47 » « الجزء الثامن »